أين كنا قبل أن نولد؟ وأين سنكون بعد أن نموت؟
تلك أسئلة تعكس عجز الإنسان عن إدراك الحقيقة الأبدية المطلقة. فالإنسان محصور ضمن خطوط زمنية لا يعلمها إلا الله. وعندما ينتهي أحد هذه الخطوط الزمنية، ينتقل إلى سياق زمني آخر، حتى يصل إلى الخط الزمني النهائي الذي تلتقي عنده كل الخطوط بقدر الله، وهو يوم القيامة.
الحياة، إذن، هي خط زمني له بداية ونهاية عند كل إنسان. وعندما ينتهي هذا الخط، ينتقل الإنسان إلى خط زمني جديد، وهو حياة البرزخ، التي لا نعرف عنها إلا ما أخبرنا الله به. وحياة البرزخ لكل البشر ليست سوى ساعة من ساعات الله، كما قال تعالى:
"ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون" (سورة الروم: 55).
أي أنه عندما تأتي ساعة البعث ويبعث الخلق من قبورهم، سيقسم المجرمون الذين كفروا بالله في الدنيا بأنهم لم يمكثوا في قبورهم سوى ساعة واحدة. وهذا القسم كاذب مثلما كانوا في الدنيا يكذبون ويحلفون على الباطل وهم يعلمون.
ثم ينتهي هذا الخط الزمني لتبدأ مرحلة جديدة، وهي يوم القيامة. في هذا اليوم، تبدو الحياة التي عاشها الإنسان وكأنها مجرد ساعة أو يوم واحد بليله ونهاره. ويعد هذا الخط الزمني أصعب المراحل التي يمر بها الإنسان، حيث ينتهي إلى خط زمني لا نهاية له: إما الجنة أو الجحيم.
إنها قدرة الخالق يا سادة! فهو خالق الزمن ومتحكم في الخطوط الزمنية، يراها بكل تفاصيلها: بداياتها ونهاياتها. لذلك، يخاطبنا الله في القرآن الكريم بصيغة الماضي بالنسبة إليه والمستقبل بالنسبة إلينا، مثل قوله تعالى:
"أتى أمر الله فلا تستعجلوه" (سورة النحل: 1).
فأمر الله قد تحقق في علمه الأزلي وتم في الخط الزمني الأخير، وهو القيامة، ولكنه بالنسبة لنا لم يتحقق بعد. لذا قال: "أتى"، وطلب منا ألا نستعجل.
ومن هنا، لا يجوز للإنسان أن يقارن قدرته بقدرة الله عز وجل، أو أن يُقلل من عظمته. فالإنسان محدود بحدود الخطوط الزمنية التي وضعها الله، أما قدرة الله فلا حدود لها.
"فتبارك الله رب العالمين."
تحياتي،
أحمد كمال المصري
المحامي بالنقض